في نقاش تربوي ثري ، طرح عليّ أحد الأفراد سؤالاً يحمل في طياته الكثير من القلق المشروع والحرص على براءة الطفولة .
كان تساؤله يدور حول البرامج التدريبية والتوعوية التي تُقدم للأطفال في مرحلة الطفولة المبكرة ( من عمر 4 إلى 7 سنوات ) وتتناول مواضيع حساسة ، تهدف إلى ” الحماية من التحرش ” . حيث يرى السائل — ومن يوافقه الرأي — أن هذه البرامج قد تؤدي إلى نتيجة عكسية، فتثير فضول الطفل نحو استكشاف أمور أكبر من سنه ، وبالتالي يكون ضررها أكبر من نفعها .
ومن واقع علم النفس السلوكي والتربية الحديثة ، يمكننا قراءة المشهد من زاوية الوعي والوقاية الذكية ودعمه بالأدلة العلمية عبر النقاط التالية :
أولاً: لغة البرنامج . وقاية ذكية وليست ثقافة جنسية
الخطأ الأكبر الذي يقع فيه البعض هو تصورهم بأن هذه البرامج تشرح للأطفال تفاصيل معقدة أو مصطلحات تخدش حياءهم . والواقع أن البرامج الموجهة للأطفال في مرحلة الطفولة المبكرة ( من عمر 4 إلى 7 سنوات ) تستخدم لغة بسيطة فتركز على ( مفهوم الخصوصية ) و ( ملكية الجسد ) عبر قاعدة سهلة مفادها أن ( الأجزاء التي تغطيها ملابس السباحة هي ملك لك وحدك، لا يحق لأحد رؤيتها أو لمسها )
ثانياً: سد الفراغ المعرفي أمام الفضول الطبيعي .
الطفل في هذا العصر منفتح على مصادر معلومات متعددة عبر الأجهزة الذكية والإنترنت، والفضول غريزة طبيعية لديه. وهنا تكمن المعضلة : إذا لم يتلقَ المعلومة الصحيحة والمبسطة من مصدر تربوي آمن وموثوق، فإنه سيبحث عنها أو يلتقطها من أقرانه بأسلوب ربما مشوه ومغلوط ، ولنا في قانون ” السبق المعرفي ” وقفة . فعن مولانا الصادق عليه السلام (بَادِرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالْحَدِيثِ قَبْلَ أَنْ يَسْبِقَكُمْ إِلَيْهِمُ الْمُرْجِئَةُ ) ( الكافي ، الشيخ الكليني ، ج6 ، ص47 )
والدراسات العلمية تؤكد أن هذا الأسلوب المبسط يحقق أهدافه دون آثار جانبية كما ورد في ( دليل خفض العنف في المدارس ” رفق ” ) ( الصادر عن وزارة التعليم والذي يعد برنامج الأمان الأسري الوطني شريكاً استراتيجياً في صياغة نظمه وتحديثاته )
حيث يذكر في إطاره النظري أن تقديم المعلومات بإسلوب مبسط ومناسب للمرحلة العمرية ( دون إفراط في التخويف ) هو الذي يبني المراقبة الذاتية والوعي لدى الطفل ويمنعه من البحث عن إجابات لفضوله الطبيعي في أماكن مشبوهة أو غير آمنة كالفضاء الرقمي .
لذا نقول ونؤكد : إنّ تقديم الوعي كـ ” قاعدة أمان” واضحة ؛ يغلق الباب فوراً أمام الفضول العشوائي المؤذي ؛ فالشيء المعلوم بوضوح لا يعود مكاناً للمغامرة أو الاستكشاف الخفي .
ثالثاً: التمكين السلوكي بدلاً من العجز والخوف .
ينطلق الأطفال في هذا العمر إلى بيئات اجتماعية أوسع (المدرسة، الأندية، الحافلة، التجمعات العائلية). وبسبب براءتهم الفطرية ، قد يتعرض الطفل لموقف غير مريح أو لمسة خاطئة ولا يملك القدرة على تصنيفها، أو قد يسكت لشعوره بالذنب أو الخوف.
هنا يأتي دور البرامج التدريبية لـ تمنح الطفل صوتاً وأدوات ، وتدربه سلوكياً على مهارة الرفض من خلال قاعدة ذهبية واضحة: ( ابتعد ، اصرخ ، و أخبر شخصاً تثق به ) . هذا التمكين لا يزرع الخوف، بل يزرع الشجاعة والقدرة على حماية النفس .
رابعاً : بناء الذكاء العاطفي والاجتماعي
إن أثر هذه البرامج يمتد لأبعد من الحماية من التحرش، فهي تساهم في بناء شخصية الطفل من خلال:
1. احترام حدود الآخرين : عندما يفهم الطفل أن لجسده خصوصية ، يدرك تلقائياً أن لأجساد زملائه وأقرانه الخصوصية ذاتها ، فلا يتعدى عليها.
2. تعزيز الثقة بالبالغين : تفتح هذه البرامج قنوات اتصال آمنة بين الأطفال ومربّيهم، مما يجعل الطفل مطمئناً بأن البوح بالحقائق للكبار هو تصرف صحيح وسيلقى الدعم والمساندة دائماً.
مسك الختام نقول :
إن برامج التوعية وحماية الذات للأطفال تبني جدار حماية متين حول براءتهم . فغرس الوعي بأسلوب تفاعلي وقصصي مبسط ومدروس هو الدرع الحقيقي الذي يحمي مخرجاتنا التربوية ، ويجعل الطفل قادراً على التمييز بثقة بين اللمسة الحانية الآمنة ، واللمسة الخاطئة التي يجب أن يرفضها ويبلغ عنها فوراً.
والوعي المبكر هو خط الدفاع الأول عن سلامة أطفالنا النفسية والجسدية.